ابن فرحون
76
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت )
ثم ممّن صحبنا ، ومنّ اللّه علينا بحبّه وصداقته والأخذ عنه ، الشيخ الإمام العلامة أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن علي بن حريث القرشي البلنسي ثم السّبتي العبدري « 1 » ، أقام بالمدرسة الشهابية في المبرك « 2 » هو والشيخ أبو عبد اللّه القصري ، كانا رحمهما اللّه متواخيين من عند شيخهما الإمام العلامة أبي الحسين عبيد اللّه بن أبي الربيع « 3 » ، وعنه أخذ الفقه والحديث ، وكتب الشيخ أبو عبد اللّه القصري في ترجمة ابن أبي الربيع : إنه أعلم من رأيناه ، وأفضل من لقيناه . كان الشيخ - رحمه اللّه - على طريقة الأولياء العلماء العاملين ، وكان إمام جامع سبتة ، وكان معه مال حلال ورثه ، وكان يسأل اللّه تعالى أن تكون وفاته عند آخر درهم منه ، وكذلك كان ، لم يتناول من حين دخل الحجاز إلى أن توفي طعاما ولا شرابا ولا ملبسا إلا من ماله ، وما قدم به معه . كان يلبس حسنا ويأكل طيبا . وكان الشيخ أبو عبد اللّه القصري يلبس خشنا ويأكل قوتا إدامه باذنجانة واحدة ، أو قليلا من حمص ، وكان لا يأكل من لحم الحجاز ولا من سمنه ، وكان يهدى إليه من الشام شيء من قديد اللحم فيقبله ويتبرّضه « 4 » . واتفق أن طبخ الشيخ أبو عبد اللّه بن حريث القرشي طبيخا طيبا ، وسأل الشيخ أبا عبد اللّه القصري أن يأكل منه معه ، فأبى . فقال له الشيخ أبو عبد اللّه بن حريث : كل منه فإنه أحلّ من طعامك ليس فيه شبهة . فقال له الشيخ عن حرج : كيف يكون أحلّ من طعامي ، وما معك هو من أجرتك على الإمامة بسبتة ؟ فقال : واللّه ما تناولت من معلوم الإمامة درهما ولا دينارا ، وإنما
--> ( 1 ) ترجمته في : « الدرر الكامنة » 4 / 199 ( 539 ) . ( 2 ) لعله يعني : مبرك الناقة . ( 3 ) ترجمته في : « التحفة اللطيفة » 2 / 226 ( 2801 ) . ( 4 ) يعني استكفى به . وانظر « لسان العرب » ، مادة : « ربض » .